بسم الله الرحمن الرحيم ..
في مسائل كالآتي ..

المسألة الأولى: هل يتق الأنبياء في تبليغ الأحكام (عقيدة وشرعاً).
الجواب: لا قطعاً؛ والوجه فيه أنّ معرفة الدين منحصرة بالنبي؛ فافتراض تقيّة النبي في التبليغ ؛ ضياع الشريعة، فيتنفي غرض الله من البعثة، وهو سفه محال على الله تعالى. هذا في المعقول..
واستدل له في المنقول قوله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً}.

قال صاحب البحار المجلسي رضوان الله عليه( بحار الانوار 46: 44): فأمّا الرسول صلى الله عليه وآله فإنّما لم تجز التقية عليه؛ لأنّ الشريعة لا تعرف إلاّ من جهته ولا يوصل إليها إلاّ بقوله.
قال الهاد : وعلى هذا جمهور العلماء، ولا حاجة لسرد كلّ الأقوال.

المسألة الثانية: دليل أنّ التورية والمدارة جائزان للأنبياء عليهم السلام، وأنّهما من التقيّة؟!.
استدل علماؤنا رضوان الله تعالى عليهم ، على جواز التورية والمداراة للأنبياء عليهم السلام ، وأنهما من التقيّة بمعناها الوسيع الهادف لمصلحة دينيّة ، بعدة نصوص صحيح ومعتبرة ..

النص الأول: صحيحة ابن سنان .
روى الكليني رضي الله تعالى عنه عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حمزة بن بزيع عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض.
قال الهاد:إسناده صحيح، دون كلام.

النص الثاني: موثقة أو صحيحة أبي بصير
وروى الكليني في الكافي : عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي بصير قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) التقية من دين الله قلت من دين الله قال إي والله من دين الله ولقد قال يوسف (عليه السلام) (أيتها العير إنّكم لسارقون و الله ما كانوا سرقوا شيئاً) و لقد قال إبراهيم (عليه السلام): (إنّي سقيم) والله ما كان سقيماً.

قال الهاد : إسناده موثق ، وقيل: صحيح، وهو الصحيح. والإمام الصادق روحي فداه نصّ أنّ قول يوسف وإبراهيم عليهما السلام من التقيّة .

النص الثالث : معتبرة الصيقل
روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عثمان عن الحسن الصيقل قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إنا قد روينا عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول يوسف عليه السلام (أيتها العير إنّكم لسارقون) فقال و الله ما سرقوا و ما كذب و قال إبراهيم عليه السلام (بل فعله كبيرهم هذا) فسئلوهم إن كانوا ينطقون فقال والله ما فعلوا و ما كذب قال فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ما عندكم فيها يا صيقل قال فقلت ما عندنا فيها إلاّ التسليم قال فقال إن الله أحب اثنين و أبغض اثنين أحب الخطر فيما بين الصفين و أحب الكذب في الإصلاح و أبغض الخطر في الطرقات و أبغض الكذب في غير الإصلاح إن إبراهيم (عليه السلام) إنما قال بل فعله كبيرهم هذا إرادة الإصلاح و دلالة على أنهم لا يفعلون و قال يوسف (عليه السلام) إرادة الإصلاح.

قال الهاد : معتبر صحيح؛ كونه مروي عن اثنين من أصحاب الإجماع، وفي الإسناد كلام، رجاله ثقات، سوى الصيقل، لم يطعن فيه أحد، وهناك نصوص كثيرة غير هذه الثلاثة، حسبنا ما قدمناه .

المسألة الثالثة : بعض تصاريح علمائنا أنّ التورية والمداراة من التقية ؟!!!.
قلنا : بلى؛ سيما في شروحهم الشريفة للحديثين أعلاه وغيرهما ؛كالآتي..
قال العلامة المجلسي (في مرآة العقول 9: 169) شارحاً:
قول إبراهيم : -(إنّي سقيم) ولم يكن سقيماً- ..؛ لمصلحةٍ، فإنّه أراد التخلف عن القوم لكسر الأصنام فتعلل بذلك، وأراد أنّه سقيم القلب بما يرى من القوم من عبادة الأصنام، أو لما علم من شهادة الحسين عليه السلام كما مر، أو أراد أنّه في معرض السقم و البلايا وكان الاستشهاد(استشهاد الإمام الصادق روحي فداه) بالآيتين على التنظير؛ لرفع الاستبعاد عن جواز التقية..؛ بأنّه إذا جاز ما ظاهره الكذب لبعض المصالح التي لم تصل إلى حد الضرورة؛ فجواز إظهار خلاف الواقع قولاً وفعلاً عند خوف الضرر العظيم أولى، أو المراد بالتقية ما يشمل تلك الأمور أيضاً.

قال ناصر مكارم شيرازي (في التفسير الأمثل13: 372) : هل كان الأنبياء يستعملون التقية ؟!.
استفاد جماعة من هذه الآية {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} أن التقية حرام مطلقا للأنبياء في تبليغ الرسالة ، لأنّ القرآن يقول: ولا يخشون أحدا إلا الله . غير أنه يجب الانتباه إلى أن للتقية أنواعاً ، ولم تنف الآية في مورد دعوة الأنبياء وإبلاغ الرسالة إلاّ نوعاً واحداً، وهو التقية خوفاً، في حين أن للتقية أنواعاً؛ منها التقية مداراة وتورية…، وعلى أية حال، فإن للتقية معنى واسعاً، وهو:إخفاء الحقائق والواقع للحفاظ على الأهداف من التعرض للخطر والانهيار.
المسألة الرابعة : يجوز للمعصوم من التقيّة ما لا يجوز للأنبياء عليهم السلام .
بينّا أنّ تقيّة أحد الأنبياء روحي فداهم في تبليغ الأحكام لا تجوز؛ حذر ضياع الشريعة؛ لانحصارها بهم وبالوحي، لكن قد تجوز التقية للإمام المعصوم، في صورة الأمن من ضياعها، لعدم الانحصار؛ ووجه عدم الانحصار أنها مبينة من النبي في رتبة سابقة ، ولأن التقية ظرف إذا زال عاد الإمام أو من يأتي بعده ليبين ..، فلا إشكال..

أفصح عن كل هذا المجلسي رضوان الله عليه (في بحار الانوار 46: 44) في تقيّة المولى علي عليه السلام:
إنّ كثيراً من التقية وإن كان زال في أيامه، فقد بقي كثير منها؛ لأنّ أكثر من كان معه كان يعتقد إمامة المتقدمين عليه، وأن إمامته ثبتت كما ثبتت إمامة من تقدم بالاختيار، فلاجل ذلك لم يتمكن من إظهار جميع ما في نفسه، ولم ينقض أحكام القوم، وأمر قضاته على أن يحكموا بما كانوا يحكمون، وقد بينا ذلك فيما تقدم على وجه لا يخفى على من أمعن النظر، وأنصف من نفسه. فان قيل: لو جاز التقية مع فقد أسباب التقية لم نأمن في اكثر ما ظهر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون على سبيل التقية. قيل: هذا باطل لانا قد بينا أن أسباب التقية كانت ظاهرة لم تكن مفقودة. فأما الرسول صلى الله عليه وآله فإنّما لم تجز التقية عليه؛ لأنّ الشريعة لا تعرف إلاّ من جهته ولا يوصل إليها إلا بقوله، فمتى جازت التقية عليه، لم يكن لنا إلى العلم بما كلفناه طريق، وليس العلم بأن الامام منصوص عليه موقوفا على قول الامام، ولا يعلم إلا من جهته حتى يكون تقيته دافعة لطريق العلم، فبان الفرق بين الأمرين (فلا تجوز للنبي التقية وتجوز للإمام).

مثال لتقية النبي محمد روحي فداه في تطبيق الأحكام
أخرج الطبراني قال ( في المعجم الكبير 22: 426، رقم:1050 ):
حدثنا عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب، ثنا أبو جعفر النفيلي، ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق قال:وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم، مغلوبا على أمره.

قال الهاد : فلننتبه إلى أنّ التقية هنا إنما هي في تطبيق الأحكام ، وهي جائزة للأنبياء أجماعاً ، وليس في تبليغ الأحكام ، فهذا لا يجوز عليهم كما قدّمنا أعلاه ، إجماعاً أيضاً. فلا تغفل.

 

بدون ديدگاه

نظر بدهید

12 − پنج =