قال ابن تيمية (في الصارم المسلول : 232. الحرس الوطني السعودي . السعودية. ت: محيي الدين عبد الحميد) من كلام طويل :

وفي الصحيحين أيضاً من حديث عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد قال: بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة في تربتها، فقسمها بين أربعة نفر وفيه: فغضب قريش الأنصار وقالوا: يعطيه صناديد أهل نجد ويدعنا فقال: إنّما أتألفهم فأقبل رجل غائر العينين ناتيء الجبين كث اللحية مشرف الوجنتين محلوق الرأس فقال: يا محمد اتق الله قال: ” فمن يطع الله إذا عصيته؟ أفيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني… .
قال ابن تيمية : ومثل هذا الكلام لا ريب أنه يوجب القتل لو قاله اليوم أحد، وإنما لم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يظهر الإسلام وهو الصلاة التي يقاتل الناس حتى يفعلوها، وإنما كان نفاقه بما يخص النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى، وكان له أن يعفو عنه، وكان عليه السلام يعفو عنهم تأليفاً للقلوب لئلا يتحدث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه وقد جاء ذلك مفسرا في هذه القصة أو في مثلها.
فروى مسلم في صحيحه عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: أتى رجل بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي منها الناس فقال: يا محمد اعدل فقال: ويحك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟! لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي؛ إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية .. . .
ومن ذلك قول الأنصاري الذي حاكم الزبير في شراج الحرة لما قال له صلى الله عليه وسلم : اسق يا زبير ثم سرح الماء إلى جارك فقال: أن كان ابن عمتك؟!.
ولهذا نظائر في الحديث إذا تتبعت مثل الحديث المعروف عن بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده أن أخاه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: جيراني على ماذا أخذوا فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الناس يزعمون أنك تنهى عن الفيء وتستحل به فقال: “لئن كنت أفعل ذلك إنه لعليّ وما هو عليهم خلوا له جيرانه . رواه أبو داود بإسناد صحيح.
فهذا وإن كان قد حكى هذا القذف عن غيره فإنما قصد به انتقاصه وإيذاءه بذلك ولم يحكه على وجه الرد على من قاله وهذا من أنواع السب.
ومثل حديث ابن إسحاق عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: ابتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم جزورا من أعرابي بوسق من تمر الذخيرة فجاء به إلى منزله فالتمس التمر فلم يجده في البيت قال: فخرج إلى الأعرابي فقال: يا عبد الله إنا ابتعنا منك جزورك هذا بوسق من تمر الذخيرة ونحن نرى أنه عندنا فلم نجده. فقال الأعرابي: واغدراه واغدراه فوكزه الناس وقالوا: لرسول الله صلى الله عليه وسلم تقول هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه رواه ابن أبي عاصم وابن حبان في الدلائل.
(قال ابن تيمية) فهذا الباب كلّه مما يوجب القتل، ويكون به الرجل كافراً منافقاً حلال الدم ، كان النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء عليهم السلام يعفون ويصفحون عمن قاله امتثالا لقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} وكقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وكقوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} ..
وذلك لأن درجة الحلم والصبر على الأذى والعفو عن الظلم ، أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام … .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة مشهورة ثم الأنبياء أحق الناس بهذه الدرجة لفضلهم وأحوج الناس إليها لما ابتلوا به من دعوة الناس ومعالجتهم وتغيير ما كانوا عليه من العادات هو أمر لم يأت به أحد إلا عودي؛ فالكلام الذي يؤذيهم عليهم السلام يكفّر به الرجل فيصير به محارباً إن كان ذا عهد، ومرتداً أو منافقاً إن كان ممن يظهر الإسلام.
ومما يوضح ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعفو عن المنافقين الذين لا يشك في نفاقهم …؛ لاحتياجه إذ ذاك إلى استعطافهم وخشية نفور العرب عنه إذا قتل أحدا منهم وقد صرح صلى الله عليه وسلم لما قال ابن أبي: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلّ} ولما قال ذو الخويصرة: اعدل فإنّك لم تعدل وعند غير هذه القضية أنه أنما لم يقتلهم لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؛ فإن الناس ينظرون إلى ظاهر الأمر، فيرون واحداً من أصحابه قد قتل فيظن الظان أنّه يقتل بعض أصحابه على غرض أو حقد أو نحو ذلك، فينفر الناس عن الدخول في الإسلام، وإذا كان من شريعته أن يتألف الناس على الإسلام بالأموال العظيمة ليقوم دين الله وتعلو كلمته فلئن يتألفهم بالعفو أولى وأحرى. اهـ.

بدون ديدگاه

نظر بدهید

چهارده − 14 =