أبو طالب سيد البطحاء وشيخ قريش

الشيخ حسين محمد علي الفاضلي

إنّ من المسائل الخلافية مسألة إيمان جدّ الأئمة النقباء (ع)، وكافل النبي (ص)، والذي ذبّ عن المصطفى (ص)، في أحلك الظروف أيّام عدم اشتداد عود الإسلام، وله من المواقف، ما لم ينسه النبي (ص)، ومع ذلك، ولأنه والد أمير المؤمنين (ع) الذي له من المواقف في الحروب ما له، ممّا جعل البعض ـ بغضاً بولده ـ ينكر فضيلة من الفضائل المسلّمة لهذه الشخصية العظيمة، وهي إسلام أبي طالب.
ولإثبات ظلامة هذا الرجل، ولأجل بيان كيف أنّ التاريخ يزيّف الواقع، وكيف أنه يتلاعب بالحقائق لمصلحة في نفوس البعض، سنذكر مصادر الفريقين التي تؤكّد إسلام أبي طالب.
ومع الأسف إنّ التاريخ الاسلامي كُتب من قبل أشخاص لا نشهد لهم ـ على الأقل ـ بالعدالة، إنّ الإنسان إذا أراد أن يأخذ نقلاً تاريخياً صحيحاً، فمن المفروض أن يعتمد على الناقل.. وهؤلاء الذين نقلوا التاريخ، فإنّ أمر بعضهم مريب، حيث نعلم تحيّزه الطائفي، وميله تجاه بعض المناوئين لخطّ أهل البيت (ع)، فلابدّ من أن نقف موقفاً: محتاطاً، ومتأملاً، ومنتقداً، وانتقائياً من التاريخ: لئلا نقع في هذا الخلط.. فنحن نحبّ أن تقرّب إلى الله عز وجل، بإدخال السرور على ذريته، من خلال إثبات إيمان هذا الرجل العظيم.
أبو طالب الشخصية الأولى التي تحفل بكلّ مقوّمات الزّعيم بعد أبيه وانتهج منهجه بعد وفاته، وورث منه ملامحه وخصائصه، فقام بواجبه من سقاية الحاج، وكان المعطاء بغير منّة، والوصول للرّحم، ذو العقل الرّاجح والنّظر البعيد، وله بالتّشريع دراية، وقد حرّم الخمر على نفسه قبل أن يحرمها القرآن الكريم.
ولعلّ هناك من ذكر أكثر من مائة وسبعين كتاباً من كتب الفريقين، فيها إثبات إيمان أبي طالب، ومع ذلك يأتي من ينكر هذا الإيمان.. والعلامة المفتي الشيخ أحمد بن زيني دحلان الشافعي، من خلال كتابه القيّم (أسنى المطالب في نجاة أبي طالب) نقل من أهل السنة والجماعة مجموعة ذكرهم في كتابه، منهم: السبط، وابن الجوزي، والسيوطي، والقرطبي، والتلمساني، وغيرهم من الذين نُقل عنهم هذا الإيمان، بل حكم بعضاً منهم ـ من بعض علماء العامة ـ بأنّ من أبغض أبا طالب فقد كفر.
وهناك رواية في (التعظيم والمنّة) للسيوطي: أنّ الله عز وجل قال له على لسان جبرائيل (ع): حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك. فأمّا الصلب: فعبد الله، وأمّا البطن: فآمنة، وأمّا الحجر: فعمّه أبو طالب، وكذلك فاطمة بنت أسد.
وكذلك ورد في (تاريخ اليعقوبي)، و(تاريخ الخميس)، وفي تفاسيرنا، هذه الرواية عن النبي (ص): إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب.
وكما هو معلوم أن الشفاعة لا تشمل من ذهب من هذه الدنيا، ولم يؤمن بالله تعالى.
ومن الشواهد القوية على إيمان أبي طالب (ع): أن أمير المؤمنين عندما كان في حالة حرب مع أهل الشام، أرسل لهم رسالة جاء فيها: ليس أمية، كهاشم.. ولا حرب، كعبد المطلب.. ولا أبو سفيان، كأبي طالب.. ولا المهاجر، كالطليق.. ولا الصريح، كاللصيق.
ومن المتعارف أنه عندما تقع حرب بين طرفين، فإنّ كل فريق يحاول أن ينتقص من الطرف الآخر.. ومع ذلك فإنّ هذه المقولة ـ أي عدم إسلام أبي طالب ـ لم تنقل على لسان أهل الشام.. ولم نجد أنّ هناك اعتراضاً على هذه العبارة: ولا أبو سفيان، كأبي طالب. في الرسائل التي وردت من أهل الشام بالنسبة إلى علي (ع)، فلو كان هذا الأمر بائناً ومشتهراً في صفوف الصحابة، لعُير بذلك علي (ع).. ولما ذكر علي (ع) أباه بخير، في الرسالة التي أرسلها إلى خصمه.
وهناك بعض الرّوايات المنقولة عن الصحابة، كما رواه ابن هشام، وفي (الإصابة)، و(السيرة الحلبية)، و(كشف الغمة) للشعراني، و(دلائل النبوة) للبيهقي.. و هذه الرواية بعضها عن العباس، وبعضها عن الخليفة أبي بكر بن أبي قحافة، كما في النص: أنّ أبا طالب ما مات حتى قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
إنّ البعض يريد أن يوفق بين كفر هذا الرجل العظيم، وبين المواقف التي كان يقفها في مكة.. بأن لا يعتبر هذه المواقف من منطلق ديني، بل من منطلق عشائري، وهذا أيضاً من صور الظلم التي نسبت إلى هذا الرجل العظيم.. فهذا الدفاع المستميت عن النبي (ص) لا يمكن أن يصدر إلا ممن كان مستبطناً للإيمان.. نعم إن الظرف الاجتماعي والبيئي، يجعل الانسان يعيش حاله التقية، وعدم اظهار الإسلام بشكل صريح، وأبو طالب (ع) كان في بعض الحالات يمثّل الوسيط المفاوض بين النبي (ص) وبين المشركين.
والنبي (ص) كما في (تذكرة الخواص) كان يترحّم على عمّه ترحماً يُستشفّ منه أنه مات على الإيمان.. وإلا فإنّ الله عز وجل لا يتقبل العمل إلا من المتقين.. فإن كان الدفاع عن النبي (ص) لا في ضمن التقوى، ولا في ضمن الاعتراف بالتوحيد والنبوة، فما قيمة هذا الدفاع، إن لم يكن مقترناً بذلك.
فهذا هو التاريخ الذي نلاحظه، وهذا كلام بعض الصحابة، وهذا اعتراف أمير المؤمنين (ع)، عندما يتكلم عن أبيه، فهل يتكلم من منطلق البنوة المجردة؟.. نستجير بالله عز وجل من أن نفكر، بأنّ علياً (ع) يتكلّم خلاف الحق، لأنه أبوه.. إنّ الحقّ مع علي، وعلي مع الحق، لم يشرك بالله طرفة عين، وكان على جادة الاستقامة: قولاً وفعلاً، فقهاً وعقيدةً، وفي كل مجالات الحياة.
ويكفينا شهادة أمير المؤمنين (ع)، والأئمة من ولده، وهذه مصادر الفريقين.. ورحم الله صاحب كتاب (أسنى المطالب في نجاة أبي طالب) العلامة المفتي الشيخ أحمد بن زيني دحلان الشافعي، وحفظ شيخنا العلامة الحجة صاحب الفضل والفضيلة سماحة الشيخ عبد الله الخنيزي صاحب الكتاب القيّم (أبو طالب مؤمن قريش) الذي أرى أنه أفضل الكتب التي كتبت عن إيمان وإسلام هذا الرجل العملاق، والذي ذكر هذه المسألة مفصلاً.. فعلى من ينسب الكفر إلى أبي طالب، أن يراجع هذه المصادر؛ لئلا يعترضه النبي (ص) يوم القيامة، ويعترضه أمير المؤمنين (ع)، والأئمة من ولده.. فيقولون: كيف نسبت الكفر إلى أبينا؟ وإلى جدنا؟.. ويقول النبي (ص): كيف نسبت الكفر إلى كافلي وأنت لم تتفحّص المصادر؟
وفي هذا الباب من حديث التشيع سوف نشرع بكل فخر واجلال وتعظيم وتقدير واحترام واجلال في ذكر سلسلة من مقالات للكتّاب والمؤلفون السنة والشيعة والحديث حول إيمان وإسلام عم النبي (ص) ووالد الوصي (ع).
ومن الله سبحانه نستمد التّوفيق والعصمة، ونتنجّز التسديد والمعونة، ونستعيذه من خطأ الجَنان قبل خطأ اللسان، ومن زلّة الكلِم قبل زلّة القدم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

بدون ديدگاه

نظر بدهید

نه + 15 =